من ذلك اليوم بدأت ألاحظ كل حاجة بدقة. لقيتها بتاخد فلوس من درج مكتب حماتي بحجة إنها عايزة تشتري لعمر حاجات، وبتقول لحماتي إنها ما اخدتش حاجة. لقيتها بتكلم في الموبايل بصوت خافت ومخفي، وكل ما حد يقرب منها بتقفل الخط فورًا. لقيتها بتقول لجيراننا إنها كريم هو اللي بيقف جنبها أكتر من أي حد، وإنهم متفاهمين على كل حاجة، وإن البيت ده بيتهم الاتنين.
وكانت حماتي في كل الأحوال بتقف جنبها، وبتقول لي في كل مرة أشكك فيها أنت بتغيري منها يا بنتي؟ دي أرملة أخوك، ومحدش غيرنا يقف جنبها.. ما تكنش قاسية قلبك عليها، ربنا يسامحك.
وكنت أكتفي بالصمت، لأنني ما كانش معايا دليل، وكنت عارفة إن كلامي مش هينفع، وكل اللي هيحصل إنها هتكرهني أكتر وتقول عليا بكره الخير.
لحد ما جات الرسالة دي قبل ساعتين من العشا، الرسالة اللي كانت مفروض تتبعت لحد تاني لشخص كانت بتتعامل معاه في بيع الشقة والفلوس وغلطت فتبعتتها لرقم كريم القديم اللي كان مسجل عندها باسمه، والرسالة وصلت ليه وهو في الشغل، ورد عليها بيسأل إيه ده يا داليا؟
إيه الفلوس دي وإيه الشقة اللي بتبيعيها؟، فهي خافت ومسحت الرسالة من عنده وقالت له إنها غلطانة وإنها كانت بتكلم واحدة من صاحباتها، لكن كريم كان مشغول ونسى الموضوع، لكن الرسالة كانت واصلة كمان على النسخة اللي في الموبايل بتاعي اللي كنت بستخدمه من وقت للتاني، وقرأتها كلها كلمة بكلمة.
عرفت إنها سـ,ـرقت شيكات ماهر اللي كان محفوظة في خزانة حماتي، وبيعت محلات صغيرة كانت باسمه، واخدت كل الفلوس، وإنها بتخطط لجوازها من كريم عشان تقدر تبيع كل ممتلكات العائلة وتسافر بعيد، وكل ده وهي بتقول إنها وفية لزوجها وإنها مش عايزة غير راحة ابنها.
في اللحظة دي ما بكيتش ولا صرخت، لكنني عرفت إن الوقت قرب، وإن مسرحيتها
هتخلص قريب، وإن الحقيقة هتظهر قدام الكل، وكل اللي كانوا بيشوفوا الملاك البريء هيعرفوا إنهم كانوا بيشوفوا شيطان متنكر.
ورجعت لقاعة الأكل، وجلست مكاني، وكل اللي كانوا موجودين كانوا بيتكلموا في الموضوع، وبعضهم كان بيقول إن الفكرة كويسة ومباركة، وبعضهم كان صامت ومش عارف يقول إيه، وحماتي كانت بتنتظر ردي، وكل شوية تنظر لي بعينين عابرتين كأنها بتقول لي إياكِ تعترضي، وإلا هشوفك العجب.
وداليا كانت مستنية أنا أثور، عشان تزيد دورها في الانكسار وتقول إنني بكرهها وإنني عايزة أطردها وابنها، وعشان كده كانت قاعدة تفرك يديها ببعض، ودموعها تنزل وتزيد، وكل شوية تنظر لكريم بنظرة ضعف وطلب رحمة.
لكنني فضلت صامته لحد ما كل واحد سكت، وكل العيون اتجهت لي، وحماتي قالت بصوت عالٍ مالك يا منى؟ ما تتكلمي؟ قولي لي رأيك، كلنا سامعين.
في اللحظة دي رفعت راسي، ونظرت لداليا بنظرة هادئة ومباشرة، وقلت بصوت واضح ومسموع للكل أنا رأيي إن الموضوع ده مش محتاج رأيي.. لأنه قبل ما نتفق على جواز، لازم نعرف كل الحقائق.. وإن عندي حاجة لازم أقولها قدام الكل، ولو عايزين نعرف الحقيقة كلها، نسمعني للآخر.
داليا شوشت لونها فجأة، وبدأت ترتعش، وقالت بصوت متقطع إيه الحاجات دي يا منى؟ إيه اللي بتقوليه؟ حرام عليكي ما تعملش فيا كده..
أنا ماليش ذنب في حاجة.
قلت لها بهدوء أنا مش بقول إنك عملتي حاجة، أنا بس عايزة نعرف كل حاجة.. حماتي قالت إنك وفية لزوجك، وإنك ما بتفكريش في غير راحة ابنك.. طيب ليه إذًا كنتي بتبيعي ممتلكات ماهر من ورانا؟ وليه كنتي بتجمعي الفلوس وتخبيها في مكان تاني؟ وليه كتبتي في رسالتك إنك عايزة تبيعي شقة أمي وتسافري بعيد بعد ما تتجوزي كريم؟.
لما سمعت كلامي وقعت عينها في الأرض، ووجهها فقد لونه بالكامل، وبدأت تتنفس بصعوبة، ونظرت حواليها كأن الأرض فتحت تحت رجليها ومش عارفة تهرب فين.
حماتي قامت من مكانها بسرعة وقالت إيه الكلام الفاضي ده يا منى؟ إيه اللي بتقوليه على بنتي؟ هتجري عليكي أنا كمان؟.
قلت لها وأنا ماسكة الموبايل وطالعة الرسالة أنا مش هاجري على حد يا ست الكل.. الرسالة دي وصلتني الصبح بالغلط، وهي مكتوبة بخط داليا، ومرسلة من رقمها القديم.. تعالي شوفيها بنفسك، واسأليها هي صحيحة ولا لأ.
مديت الموبايل لحماتي، وكل اللي كان موجود قام وقرب يشوف، ولما قرأت حماتي الكلام رجعت لورا كأنها صعقت، ونظرت لداليا بعينين ما كانتش تصدق اللي شافتها، وقالت بصوت متهدج صدق الكلام ده يا داليا؟ انطقي.. صدق إنك بتعملي كل ده من ورانا؟.
داليا بدأت تعيط بصوت عالٍ ومش عارفة تتكلم، وقالت لا لا.. ده كذب.. هي بتلفق عليا.. هي بتغير مني وعايزة تفرق بيني وبينكم.. ما
تصدقوش كلامها يا ست الكل.. أنا ما عملتش حاجة.. والله ما عملتش حاجة.
قلت لها وأنا مستمرة في هدوئي طيب خلينا نروح للبنك بكره ونشوف الشيكات اللي اخدتيها باسم ماهر ونرى مين اللي قبضها.. وخلينا نسأل صاحب الشقة اللي بعتتيها في العبور ونعرف مع مين كنتي بتتعاملي.. وخلينا نراجع كل الحسابات بتاعت ماهر ونعرف الفلوس راحت فين.. ده كله مش صعب، وكل حاجة هتظهر واضحة قدام الكل.
في اللحظة دي كريم قام وقرب من داليا وقال بصوت غاضب ومصدوم انطقي يا داليا.. قولي لي إن ده مش صحيح.. قولي لي إنك ما سـ,ـرقتش أخويا وماله وذكراه.. قولي لي إنك ما كنتي بتلعبينا كلنا بدموعك وكلامك الحلو.
داليا لما شافت إن ما فيه فايدة، وإن الحقيقة بدأت تظهر، وقعت على الأرض وبدأت تعيط بصرخة قوية وقالت أنا آسفة.. والله أنا آسفة.. ما كانش قصدي أضر حد.. أنا خافت من المستقبل.. خافت أروح لأهلي ويتحكموا فيا وفي ابني.. حبيت أضمن مستقبل عمر.. ما كانش قصدي أسـ,ـرق ولا ألعب بيكم..
والله ما كانش قصدي…
حماتي كانت واقفة مش عارفة تقول إيه، كل الثقة اللي كانت عندها في داليا اختفت في لحظة، وكل الكلام اللي كانت بتقوله عن الوفا والأمانة اتقلب ضدها، وبدأت تدمع عينها وقالت بصوت مكسور وأنا كنت شايفة إنك أمانة عندي.. كنت شايفة إنك بنتي.. وكنت بقول للناس ما فيش ستة وفية غيرك.. وطلعتي بتلعبينا كلنا.. وبتلعبين بذكرى ماهر اللي كان بيحبك أكتر من أي حاجة.. حرام عليكي يا داليا.. حرام عليكي.