منوعات

مزّقت أختي صكًا حكوميًا بقيمة

نام ابني أخيراً وهو يضم حقيبته ذات الديناصور الى صدره، وكانت عيناه منتفختين من البكاء. جلست وحدي في المطبخ؛ كانت الساعة القديمة فوق الموقد تقطع الصمت. سترتي المبذولة معلقة على الكرسي ذاته الذي وقفت بجانبه قبل سنوات حين أعلن زوجي رحيله. وعلى الرف فوق الحوض، كانت هناك صورة ممطرة لي ولـ “نادين” في طفولتنا؛ كنا في السادسة والتاسعة، كانت تضع ذراعها حول كتفي وكنا نضحك. سحبت الصورة ووضعتها مقلوبة على الطاولة. في الصباح التالي، عقد اجتماع طارئ في المقر الرئيسي لـ “بنك المشرق”.

قدم لي أعضاء مجلس الإدارة ملفاً يحتوي على أوراق تسوية وتعويضات شخصية بمبالغ ضخمة تكفي لشراء منازل وأراض، آملين أن أوقع عقد التقاعد وأصدر بياناً للعفو ينهي الحملة الشعبية ضد البنك. دفعت الملف عائداً عبر الطاولة. قلت: **«أنا لا أبيع صمتي»**. قال “سليمان”: «سعادة العميد، نحن نحاول إصلاح الأمر». «أنتم تحاولون إيقاف الخسائر المالية». ثم وضعت شروطي الخمسة لاعتماد العقد: 1. **إصلاح النظام:** إلغاء سياسة التمييز في المعاملة بين ما يسمى “كبار العملاء” والعملاء العاديين في جميع الفروع.

2. **قنوات الشكاوى:** إنشاء آلية مستقلة للشكاوى لا تدار من قبل مدراء الفروع الذين قد يتسلطون على العملاء أو الموظفين. 3. **مراجعة السجلات:** إجراء مسح شامل لكل الموظفين الذين همشتهم أو طردتهم “نادين” خلال فترة إدارتها، وتعويض المظلومين. 4. **ترقية “مي”:** «كانت الموظفة الوحيدة التي حاولت أن تتصرف بنزاهة». واشترطت ترقيتها الى نائبة مدير الفرع، وتقديم برنامج تدريبي إداري لها، وتكفل البنك بمصاريف دراستها للإدارة المالية. 5. **صندوق “عمر”:** إنشاء “صندوق عمر للمنائح الدراسية”، بحيث يقتطع جزء ثابت من أرباح البنك السنوية لتمويل المنح الجامعية لأبناء العسكريين الذين قضوا أو أصيبوا في سبيل الوطن.

أخرج أحد أعضاء المجلس نظارته: «هذه الشروط تتطلب إعادة هيكلة كبيرة!». أجبته: **«نعم، وهذا هو المطلوب»**. ### **8. النهاية والتغيير** بعد ثلاثة أشهر، عدت أنا وابني الى الفرع ذاته. كنت أرتدي السترة العسكرية المبذولة ذاتها، والحذاء ذاته، وكان ابني يحمل الحقيبة التي تزينها رسمة الديناصور. دخلنا عبر الأبواب الزجاجية ذاتها. هذه المرة، كانت هناك لوحات نحاسية مصقولة تكرم العسكريين المرابطين تزين الجدران الرخامية. وقرب المدخل، وُضع مكتب خاص لمساعدة الممكنين وأسر الشهداء والمحاربين. وخلف منصة الصرافين، علقت نسخة ممطرة من التزام الخدمة الجديد للبنك، وكتبت عليها كلمات بسيطة:

> **«كل شخص يدخل هذه المؤسسة سيعامل بكرامة واحترام، قبل أن يعرف حجم ثروته أو منصبه أو مظهره».** > وقفت خلف المنصة ببدلة رمادية أنيقة “مي”؛ وكان بطاقتها الجديدة تحمل صفة **”نائبة مدير الفرع”**. حين رأتنا، وضعت يدها على فمها، وامتلات عيناها بالدموع. خرجت من خلف المنصة ووقفت أمام ابني. قالت له: «أنا أذكر حقيبتك». نظر الى الديناصور: «صديقي هو الذي رسمها». «إنها حقيبة فريدة لا مثيل لها». فابتسم. ما حدث في ذلك البهو علم ابني—وذكرني أنا أيضاً—أن القوة الحقيقية لها غاية مختلفة تماماً:

القوة ليست مخلوقة لإهانة من استخفوا بك، ولا لشحذ المشاعر انتقاماً بعد أن تتحول الكفة لصالحك… القوة الحقيقية هي أن تكون درعاً يقي المستضعفين الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم، وأن تمنح الموظفين الصادقين الشجاعة للتكلم، وأن تجبر الأنظمة العمياء على رؤية الإنسان. لم أكن أستطيع محو ما شاهده ابني، ولا إعادة اختي التي ذكرتها من الطفولة، ولا إلغاء صوت الصك الممذوق… لكنني كنت أستطيع تحديد ما سيحدث بعد ذلك. تلك هي المسؤولية التي تضعها القوة في أيدينا: ليست الانتقام، ولا التصفيق… بل **التغيير**.

عندما خرجت أنا وابني من الفرع، جذب كمي برفق: «أمي؟» «نعم يا حبيبي؟» «هل ما زلنا نستطيع شراء القصص المصورة؟» نظرت نحو المكتبة في طريقنا: «المهمة لم تنته بعد بدونها!». فابتسم ابتسامة عريضة. مشينا ثلاثة شوارع، واشترينا القصص المصورة، وأنهينا اليوم في مطعم المشويات القريب من الجسر. أكل ابني البطاطا الحلوة وهو يقرأ الصفحة الأولى من قصته الجديدة، وللمرة الأولى منذ دخولنا البنك، استرخى كتفاه. نظرت إليه وهو يقلب الصفحات، وأدركت أن العدالة لا تكمن في رؤية سقوط من ظلمك… بل في التأكد من أن عدداً أقل من الأبرياء سيتعرضون للظلم بعد أن أصبحت لديك القدرة على إيقافه.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى