منوعات

مزّقت أختي صكًا حكوميًا بقيمة

دون أن يتكلموا معنا، رسم موظفو البنك خطاً وهمياً على الأرضية الرخامية: على جانب يقيف من يعتقدون أنهم يستحقون الخدمة، وعلى الجانب الآخر تقيف امرأة بحذاء قديم وطفل يحمل حقيبة ممزقة. شاهدت أنماطاً مماثلة في أماكن أكثر خطورة بكثير من بنك؛ إذ غالباً ما يتغاضى الأقوياء عن المستضعفين، ويتوقع ممن يخدمون أن يبقوا غير مرئيين. شد ابني قبضته على أصابعي. فالأطفال غالباً ما يشعرون بالعداء قبل أن يكون الكبار مستعدين لتسميته. بدلاً من أن ألتفت وأغادر، أخذت نفساً عميقاً وشددت ظهري؛ فتنزلت علي هيبة الانضباط العسكري التي صقلتها عشرون عاماً: استقام كتفاي، واهتدى نفسي.

كان الصك الحكومي الرسمي ذو الملايين الخمسة محفوظاً داخل سترتي، مشدوداً على صدري إلا أوراق الاعتماد. مسكت يد ابني وتوجهت نحو منصة المعاملات الرئيسية. في منتصف البهو، توقف. جذب كمي برفق حتى نظرت إليه؛ كانت عيناه تمتلكان بالحيرة، واعتمد على ساقي محاولاً الاختباء خلفي بعيداً عن النظر المزدرية للموظفين ورجال الأمن. همس: «أمي… لماذا لا يبتسمون لنا؟» جثوت حتى صارت وجوهنا في مستوى واحد. نظر نحو الصرافات ثم الى حقيبته، وسأل: «هل اقترفنا خطأ؟ هل لأن هذه قديمة؟»

سقط السؤال على قلبي أشد من أي إهانة وجهت إلي؛ إذ كان يبحث في ضميره البريء عن تفسير، ويعتقد أن هناك عيباً في حقيبته أو قميصه أو في نفسه يبرر المعاملة التي يتلقاها من الكبار. وضعت كلتا يدي برفق على كتفيه، وقلت: «لا يا حبيبي، ليس فيك ولا في حقيبتك أي عيب». بدا غير اقتناع. «كن صبوراً يا بطل. لا تحكم على الناس قبل أن تعرفهم حق المعرفة. جئنا هنا في مهمة، وسننجزها». مسحت شعره عن جبينه، وأضفت: «المهم هو كيف نتصرف نحن. لا ندع أحكام الآخرين تحدد قيمتنا».

هز رأسه ببطء، ثم شد ظهره الصغير. ### **5. المواجهة وتصعيد الكبرياء** وقفت والتفتت نحو المنصة مرة أخرى. في تلك اللحظة، انفتح الباب الزجاجي المنقش لمكتب مدير الفرع. خرجت اختي “نادين” الى البهو. كانت ترتدي بدلة أنيقة من ماركة عالمية تساوي أكثر من قيمة شاحنتي، وشعرها مصفف بعناية فائقة، وأظافرها مطلية بالأحمر القاني. ووصلت رائحة عطرها إلينا قبل أن تصل هي. تنقلت عيناها في البهو بهيبة من يعتقد أنه يكمن في سيطرته كل من في القاعة.

ثم رأتني. للحظة، بحثت في وجهها عن أي أثر للفتاة التي أذكرها—الأخت الكبرى التي كانت تضفر شعري قبل المدرسة وتجلس بجانب سريري أثناء العواصف. لم يكن هناك شيء. انتقلت نظراتها من حذائي الى سترتي، ثم الى قميص ابني وحقيبته المهروءة. في مسحة واحدة باردة، قيمت مظهرنا وقررت أننا لا نملك أي قيمة في عالمها الذي تحافظ عليه بعناية. ارتفع ذقنها، واشتد كتفاها، وارتسمت الابتسامة الازدرائية ذاتها على شفتيها. لم تكن تمشي نحو زبون، بل كانت تقترب من فرصة لإثبات تفوقها.

لم أعرض ببصري. مشيت الى المنصة، ومددت يدي داخل سترتي، ووضعت الصك الرسمي على السطح الزجاجي. كان المبلغ المكتوب عليه واضحاً لا يقبل الشك: **خمسة ملايين ريال**. اتسعت عينا “نادين”؛ لا باهتمام موظفة المهني، ولا بحذر مديرة فرع تفحص معاملة غير عادية. بل مر على وجهها الإنكار، تبعه الحسد المباشر. إن فكرة أن أختها الصغرى التي استخفت بها كفاشلة مالية كانت تملك صلاحية قانونية على هذا المبلغ من التمويل الحكومي شككت في كل ما قضت سنوات تؤمن به عني.

بدلاً من أن تطلب الوثائق، رفعت صوتها: «شخص يتقاضى راتباً عسكرياً يدخل فرعي فجأة بصك بمبلغ خمسة ملايين ريال؟ كيف حصلت على هذا بالضبط؟» التفت نحونا عدة عملاء. أجبتها: «إنه حوالة من وزارة الدفاع، وأوراق الاعتماد هنا». اقتربت “نادين” أكثر: «أتتوقعين مني أن أصدق ذلك؟» «أتوقع منك أن تتحققي منه». قست تعابير وجهها، ثم أعلنت بصوت عال ليسمعه البهو بأكمله أنني أحاول إيداع أموال مشـ,ـبوهة. توقفت الصرافات عن الكتابة، وتحرك حارس أمن بعيداً عن الجدار، وبدأت الهواتف تظهر في أيدي العملاء.

مددت يدي الى جيبي الداخلي وأخرجت بطاقتي العسكرية، مع وثائق وزارة الدفاع المختومة بالأحمر، ووضعتها على المنصة. كان الصوت حاداً بما يكفي لإسكات أقرب مجموعة من الموظفين. قلت لـ “نادين”: «أطلب منك أن تضعي تاريخنا الشخصي جانباً. اتصلي برقم التأكيد المطبوع على الوثائق، ويمكن تأكيد كل شيء في أقل من دقيقتين». بقي صوتي هادئاً؛ كنت أقدم لها مخرجاً مهنياً: دقيقتان، ومكالمة هاتفية واحدة، هذا كل ما كانت تحتاجه لمنع تفاقم الموقف. تقدمت صرافة شابة من خلف المنصة، كانت بطاقة اسمها تحمل **”مي”**.

بدت في منتصف العشرينات، بشعر قصير وعينين ذكيتين. نظرت بعناية الى بطاقتي ثم الى أختام وزارة الدفاع. قالت: «أستطيع أخذ الوثائق الى غرفة التدقيق… يمكننا الاتصال بالرقم الرسمي وتأكيد الحوالة». التفتت “نادين” نحوها بسرعة جعلت البعض يرتعد: «هل طلبت رأيك؟» ابتلعت “مي” ريقها: «لا يا أستاذة، كنت أحاول فقط—» قاطعتها “نادين”: «أنت صرافة مبتدئة، لا تتدخلي عندما تتعامل الإدارة مع تحقيق في احتيال محتمل». نظرت “مي” إلي ثم الى ابني: «مع احترامي، الهوية تبدو سليمة، والتثبت سيحمي البنك».

اقتربت “نادين” منها: «إن شككت في قراري مرة أخرى أمام زبون، فستطردين قبل نهاية اليوم». تلاشى اللون من وجه “مي”، وتابعت “نادين” بصوت خافت لتجعل التهديد أكثر شخصية: «سأحرص على أن تعرف كل مؤسسة مالية في هذه المنطقة سبب طردك. فكري جيداً في شقتك، وتأمينك الصحي، وعائلتك قبل أن تتحديني مرة أخرى». علمت لاحقاً أن والد “مي” كان قد خدم أعواماً في الجيش وعاد بعد أن فقد جزءاً من ساقه اليسرى؛ ولهذا السبب عرفت رتبتي العسكرية فوراً، ولهذا السبب أيضاً وجدت الشجاعة للتكلم.

لكن الشجاعة لا تمحو الخوف، خاصة عندما يملك شخص ما القدرة على سلب قوت يومك. تراجعت “مي” الى الخلف، وامتلات عيناها بالدموع، فغطت فمها بيدها وانحسرت نحو خزائن الملفات. أسكتت “نادين” الموظفة الوحيدة التي كانت مستعدة للتصرف بمهنية. ثم التفتت إلي، ونقرت على بطاقتي العسكرية بطرف إصبعها المطلي: «أتظنين أن بضع وثائق مطبوعة يمكن أن تخدعني؟» «رقم التأكيد في الصفحة الأولى». «لست بحاجة للإتصال بأحد». أخبرني ذلك الجواب بكل شيء: لم تكن الحقيقة هي ما تريده، بل كانت تريد إهانتي.

جذبت المواجهة المتصاعدة العملاء من كل زاوية في البهو؛ فترك الناس استمارات الإيداع ومواعيدهم الخاصة ليشكلوا نصف دائرة حولنا. ظهرت الهواتف الذكية من الجيوب والحقائب، وتوجهت العدسات نحو وجهي. لم يسأل أحد عما حدث، ولم يحاول أحد قراءة الوثائق؛ كانوا يرون مشهداً يتطور وأرادوا تسجيله قبل أي شخص آخر. انضم ابني الى ساقي ملتصقاً. وتقدم رجل بدين يرتدي بدلة فاخرة لكنها سيئة المقاس الى المقدمة—علمت لاحقاً أن اسمه “سعد”، وأنه قضى سنوات يحاول نيل حظوة في الفرع عن طريق ملق الإدارة والاستعراض بثروته.

رأى فرصة لإثارة إعجاب “نادين”، فأعلن: «المديرة “نادين” على حق تماماً! انظروا إليها، إنها تحاول بوضوح استغلال هذا الطفل لكسب التعاطف!». أشار بإصبعه مباشرة الى ابني، فتراجع الصبي وقبض على قماش سروالي بكلتا يديه. ضحك بعض الحضور، وهز آخرون رؤوسهم. أخفى ابني وجهه في فخذي، وشعرت بدموعه تبلل القماش. أصبح غضبي هادئاً جداً؛ وهذا النوع من الهدوء هو ما حماني في مواقف خطيرة عبر قارات ثلاث. نظرت مباشرة الى اختي: «يا “نادين”، توقفي الآن قبل أن تخلقي عواقب لا يمكنك تداركها».

ابتسمت: «أنت لا تخيفينني». «هذا ليس تهديداً، بل هي فرصتك الأخيرة للتأكد من الوثائق وتصحيح سلوكك». للحظة، تذكرت غرفة النوم المشتركة في طفولتنا، والتهامس بعد إطفاء الأنوار، واستعارة كنزاتها والوعد بعدم إخبار أمنا… قضيت سنوات أمل أن تكون اختي ما زالت موجودة تحت هذا الكبرياء. لكن المرأة الواقفة خلف المنصة محت ذلك الأمل. رفعت “نادين” الصك ذا الملايين الخمسة فوق رأسها ليراه كل زبون: «هذا هو شكل الاحتيال!». ثم شقته الى نصفين. تردد صدى الصوت في البهو.

مزقت النصفين مرة أخرى وأطلقت القطع في الهواء، فهبطت المزايا حولنا، وسقطت على حذائي، وعلى حقيبة ابني، وعلى الرخام المصقول. قالت: «هذا هو المكان الذي تنتهي إليه الأوراق العادمة». جثا ابني على ركبتيه وبدأ يجمع القطع، وكانت يداه الصغيرتان تتحركان بلهف على الأرض لمحاولة تجديد الأطراف الممذوقة. مددت يدي ورفعته فوراً، وهمست: «لا يا بني… نحن لا نجثو لهذا». احتضنته بشدة ونظرت خلال الصورة المصقولة التي صنعتها “نادين” لنفسها—تجاوزت البدلة، والعطر، واللوحة النحاسية على باب مكتبها.

قلت لها: «لقد أنهيت مسيرتك المهنية لتوك يا “نادين”». لم يرتفع صوتي، وبقيت يداي ثابتتين. نظرت إلي لثانية واحدة، ثم أمسكت بسمّاعة الهاتف وأمرت الأمن بالاتصال بالشرطة. تقدم رئيس حراس الأمن، “مروان”، من أقصى البهو. كان رجلاً ضخماً مهاباً ذا رأس محلوق ومعدات ثقيلة معلقة بحزامه، وكان طريقتة توحي بأنه يستمتع باستخدام منصبه لتخويف من يبدون أقل قوة. أخرج زوجاً من القيود الحديدية وتقدم نحونا دون أن يفحص هويتي أو يسأل سؤالاً واحداً. «ضعي يديك خلف ظهرك!»

قلت له: «هويتي ووثائق الاعتماد على المنصة. لا تقترب من طفلي بتلك القيود». تجاهلني. بقي ابني ملتصقاً بساقي وهو يبكي. مد “مروان” يده بإهمال، ودفع القيود بقرب شديد من وجه الصبي؛ فانتفض ابني عائداً الى الخلف، ومر الحديد على بعد أنملة من وجنته. في أقل من ثانية، دفعت معصم “مروان” للأعلى، واخترقت مركز ثقله، وأسقطته على ركبة واحدة بحركة ثابته. ثم تركته فور زوال الخطر المباشر، ودفعت القيود بقدمي بعيداً، ورفعت يدي كلتيهما أمام أعين الحضور.

قلت بوضوح لتسجيل الكاميرات: «لقد حميت طفلي فحسب». شكل الحراس الآخرون نصف دائرة حولنا، وبعضهم يحمل أجهزة كهربائية مستعدة. وقفت بينهم وبين طفلي. خلف المنصة، كانت “مي” تبكي بصمت؛ كانت تبدو كأنها تمقت نفسها لأنها لم تفعل المزيد، رغم أنها أظهرت نزاهة أكبر من أي شخص آخر في القاعة. في تلك اللحظة، انفتحت الأبواب الأوتوماتيكية. دخل **سليمان الباشا**، رئيس مجلس إدارة “بنك المشرق” ومديره التنفيذي. اهانه فى البنك لمحمد نور تبعه أربعة أعضاء من الفريق القانوني للبنك، يرتدون بدلاً داكنة ويحملون حقائب جلدية مختومة بالشعار الذهبي للمؤسسة.

لم يكن قادماً في زيارة تفقدية روتينية، بل جاء لإتمام عقد وزارة الدفاع المبالغ حجمه **سبعمائة وخمسين مليون ريال**. كانت الاتفاقية حيوية لـ “بنك المشرق”؛ إذ كانت أسهمه تتردى منذ أشهر، وكان من الممكن لبرنامج التقاعد والإسكان الحكومي أن يعيد ثقة المستثمرين، ويثبت المعيار المالي للمؤسسة، ويفتح الباب لعقود حكومية تمتد لعقود. قضى “سليمان” ستة أشهر في مفاوضات مع المسؤولين في العاصمة. توقف رئيس المجلس عند المدخل، وتنقلت عيناه في البهو: رأى قطع الصك الممذوقة، ورأى رجال الأمن يوجهون أدواتهم نحو امرأة وطفل، ورأى الهواتف المرفوعة.

غطت إحدى الصرافات فمها، وأخفض عدة عملاء هواتفهم. وبدأت “نادين” تتنفس بسرعة، ثم هرعت نحو “سليمان” بابتسامة مرتبكة: «أستاذ سليمان، الحمد لله أنك هنا! لقد اعترضت امرأة تحاول إيداع أموال مزورة، وقد أصبحت عدوانية عندما حاولنا—» مشى “سليمان” متجاوزاً إياها دون أن يلتفت الى إفادتها. اقترب مني، وتوقف على مسافة احترام، ونظر الى وجه ابني الذي تملؤه الدموع. ثم حنى رأسه: **«سعادة العميد ريم… أنا آسف أبلغ الأسف»**. توقفت “نادين” في مكانها، وسقطت الابتسامة عن وجهها.

التفت “سليمان” نحوها، وكان صوته هادئاً ولكنه حاد كالشفره: «أمرت الأمن باحتجاز ممثلة حكومية رفيعة أمام طفلها! خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد و جروب روايات محمد نور وسمحت لحارس بالاقتراب من طفل بطريقة طائشة! ومزقت وثائق رسمية بينما العملاء يصوّرونك!». الهواتف التي كانت موجهة نحو الاحتيال المزعوم صارت الآن تسجل انهيار مديرة الفرع. ابتعد الناس عن “نادين” كأن الابتعاد قد يمحو مشاركتهم، وتراجع “سعد”—الرجل الذي سخر من ابني—خلف مجموعة من العملاء محاولاً الاختفاء.

نظرت الى “سليمان الباشا”: «يجب إيقاف “نادين” و”مروان” عن العمل فوراً، وسحب بطاقات دخولهما، وحفظ جميع تسجيلات الكاميرات، وتسليمهما للجهات المختصة للتحقيق». هز “سليمان” رأسه موافقاً. تم احتجاز “نادين” ورئيس الأمن في المكتب الخاص لحين وصول الشرطة العسكرية والأمن العام. شملت التهم البلاغ الكاذب، وإتلاف أملاك حكومية، والسلوك الطائش حول طفل، وتهديد موظفة. احتجت “نادين” باكية، وادعت أن هناك سوء فهم، وأنها عملت تحت الضغط لحماية البنك. لكن سوء الفهم ينتهي عندما تقدم الأدلة… وقد قدمت لها الأدلة، فاختارت الإهانة.

### **7. الحساب والشروط الخمسة** في تلك الليلة، اصطفت سيارات البث المباشر والصحافة خارج بيتنا الخشبي البسيط في “وادي النخيل”. أغلقت الستائر.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى