كان عندي بنت واحدة اسمها رحمة، عمرها خمسة عشر سنة، وعندها متلازمة داون. ومن يوم ما اتولدت وأنا وعدت نفسي إن عمري ما هسيبها تحس إنها أقل من أي حد. كانت أطيب قلب ممكن تشوفه في حياتك. تضحك لأي حد، وتسلم على كل الجيران، وتفرح بأبسط حاجة، ولو شافت طفل بيعيط كانت تطلع من جيبها قطعة حلوى وتديهاله وهي مبتسمة.
أنا اسمي منى عبد الرحمن، عندي تلاتة وأربعين سنة، وبعيش في المنصورة. أبو رحمة سابنا وهي لسه رضيعة، وقال إنه مش قادر يتحمل مسؤولية طفلة محتاجة رعاية خاصة. ومن ساعتها وأنا الأم والأب وكل حاجة في حياتها.
كنت بصحى الفجر، أنزل شغلي، وبعدها أوصلها مدرسة التربية الفكرية، وأوديها جلساتها، وأرجع أذاكر لها وأقضي باقي اليوم معاها. حياتنا كانت بسيطة، لكن مليانة حب واطمئنان.
رحمة كانت بتحب الأطفال جدًا. كل ما تشوف طفل صغير تقول وهي بتضحك
يا ماما… نفسي أبقى حضانة للأطفال.
وأضحك وأقول لها
وليه حضانة؟
فترد بحماس
عشان ألعب معاهم وأغني لهم.
كانت براءتها تخليني أنسى أي تعب.
لكن من حوالي شهر، بدأت أحس إن في حاجة اتغيرت فيها. بقت ترجع من المركز ساكتة، وتقعد في أوضتها بالساعات.
بطلت تحكيلي عن يومها، وبقت كل شوية تمسك شنطتها بقوة كأنها خايفة حد يقرب منها.
افتكرت إنها مجرد مرحلة نفسية، أو يمكن زعلت من حد في المركز.
لحد ما في يوم، وأنا برتب هدومها، لقيت في جيب الجاكيت لعبة صغيرة جدًا على شكل دب أبيض، وعليها استيكر باسم مدينة ملاهي كبيرة كانت عاملة يوم ترفيهي لذوي الهمم قبل كام أسبوع.
افتكرت اليوم ده كويس.
أنا وقتها كنت في الشغل، وأخت جوزي السابقة، أمل، هي اللي أصرت تاخد رحمة مع مجموعة من أولاد المركز.
لما وريتها اللعبة، ابتسمت رحمة وقالت
دي هدية.
ابتسمت وسألتها
مين اللي جابهالك؟
قالت ببساطة
الراجل الطيب.
استغربت وسألتها
مين الراجل الطيب؟
هزت كتفها وقالت
اللي
كان بيلعب معانا.
الكلام كان عادي، لكن حاجة جوايا ما ارتاحتش.
في اليوم اللي بعده، قررت أروح المركز وأسأل عن الرحلة. المديرة قالت إن اليوم كان ناجح جدًا، وإن الأطفال انبسطوا، لكن لاحظت إنها اترددت لما سألتها إذا كان فيه موظفين من مدينة الملاهي كانوا بيتعاملوا مباشرة مع الأولاد.
قالت بسرعة
أكيد… كان فيه مشرفين كتير.
رجعت البيت ولسه القلق بيزيد.
بالليل، وأنا بساعد رحمة تغير هدومها، لقيت في جيب البيجامة إسورة ورق مطوية بعناية.
مسكتها وسألتها
إيه دي يا رحمة؟
أخدتها مني بسرعة، وضمتها لصدرها، وقالت بخوف
ماينفعش أوريها لحد.
سألتها بهدوء
ليه؟
بصت في الأرض، وقالت بصوت واطي
هو قالي أخبيها… عشان دي سر بينا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
استنيت شوية لحد ما هديت، وبعدها قلت لها
هو مين يا حبيبتي؟
سكتت ثواني طويلة…
وبعدين رفعت عينيها ليا وقالت جملة خلت جسمي كله يقشعر
الراجل اللي كان بيشتغل هناك… قال لي لو حد سأل، أقول إننا كنا بنلعب وبس.
وقتها حسيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد لعبة أو هدية… لكني ماكنتش أعرف إن الإسورة الصغيرة دي هتفتح باب قضية محدش كان متخيل حجمها فضلت طول الليل صاحية، والإسورة الورق في إيدي، أقلبها يمين وشمال. كنت حاسة إن فيها إجابة على أسئلة كتير، لكن مش عارفة أوصلها.
تاني يوم الصبح أخدت رحمة معايا، ورحنا مدينة الملاهي.
أول ما وصلنا، طلبت أقابل المدير المسؤول.
استغرب من طلبي، لكنه استقبلني باحترام.
حكيت له إن بنتي كانت في اليوم الترفيهي، وإنها رجعت ومعاها إسورة مخبياها، وإنها بتتكلم عن موظف كان بيديها هدايا ويطلب منها تخبي الموضوع.
ملامحه اتغيرت فورًا.
قال
حضرتك استني دقيقة.
دخل مكتبه، وبعد دقائق رجع ومعاه سجل حضور اليوم الترفيهي.
بدأنا نراجع أسماء الموظفين والمشرفين اللي كانوا موجودين.
رحمة كانت قاعدة جنبي ساكتة، وفجأة أشارت بإصبعها على صورة شاب في السجل.
وقالت بحماس
هو ده… الراجل الطيب.
المدير بص للصورة، وبعدها اتنهد وقال
ده اسمه كريم… كان شغال عندنا بعقد مؤقت.
سألته بسرعة
هو فين دلوقتي؟
قال
استقال من حوالي أسبوعين.
الكلام زود قلقي أكتر.
لكن المدير كمل وقال
بصراحة… دي مش أول مرة حد يسأل عنه.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
قلت
يعني إيه؟
رد بهدوء
في أكتر من ولي أمر اشتكى إن أولادهم كانوا متعلقين بيه بشكل غريب… لأنه كان بيديهم ألعاب وهدايا، ويقعد معاهم وقت طويل. لكن وقتها افتكرنا إنه شخص اجتماعي وبيحب يساعد.
سكت لحظة، وبعدين قال
مفيش حد قدم بلاغ رسمي، فالموضوع انتهى.
خرجت من عنده وأنا قلبي مليان أسئلة.
في الطريق، سألت رحمة
هو كان بيعمل إيه معاكي؟
قالت بابتسامتها البريئة
كان يحكيلي حواديت… ويجيبلي دباديب… ويصورنا.
وقفت العربية فجأة.
لفيت ناحيتها وقلت
يصوركم؟
هزت رأسها وقالت
أيوه… كان يقول دي صور للذكرى.
الكلمة دي خلتني أقرر إني لازم أتصرف.
رجعت البيت، وجمعت كل الألعاب والهدايا اللي رحمة جابتها خلال الشهر اللي فات.
كان في دبدوب… وميدالية… وكراسة رسم… وكلهم عليهم نفس شعار مدينة الملاهي.
وأنا بقلب في كراسة الرسم، وقعت منها ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
كانت عبارة عن إيصال طباعة صور.
وفي آخر الإيصال مكتوب عنوان استوديو تصوير معروف في المنصورة.
بصيت للعنوان، وحسيت إن الخيط الحقيقي للقصة بدأ يظهر قدامي…
لكن ماكنتش أعرف إن الزيارة دي هتكشف مفاجأة أكبر بكتير تاني يوم، أول ما فتحت محلات التصوير، كنت أنا واقفة قدام الاستوديو.
دخلت وأنا ماسكة إيصال الصور.
الراجل اللي ورا الكاونتر أخده، وبص له ثواني، وقال
الإيصال ده قديم شوية.
قلت بسرعة
عارفة… بس محتاجة أعرف الصور دي كانت لمين.
هز رأسه بأسف.
إحنا بنحذف الملفات بعد فترة، لكن ممكن أشوف السجل.
بدأ يدور على الكمبيوتر.
بعد دقائق، رفع رأسه وقال
لقيت رقم الطلب.
حبست أنفاسي.
فتح البيانات، واتفاجأ.
قال
الطلب اتطبع باسم مدينة الملاهي، ضمن فعالية خاصة بذوي الهمم.
طلبت أشوف الصور لو لسه موجودة.
لحسن الحظ، نسخة احتياطية كانت لسه محفوظة.
فتح أول صورة…
لقيت رحمة واقفة وسط مجموعة أطفال، وكلهم بيضحكوا.
الصورة التانية…
رحمة وهي ماسكة بالونة.
التالتة…
رحمة مع مجموعة من المشرفين.
فضلت أقلب الصور وأنا بدأ يهدى قلبي.
لحد ما وقفت عند صورة خلتني أركز.
كان في موظف واقف بعيد شوية، لكنه كان مركز نظره على رحمة وحدها.
سألت الراجل
ممكن تكبر الصورة دي؟
كبرها.
لاحظت إن الموظف كان معلق في رقبته بطاقة تعريف، لكن الاسم مش واضح.
طلبت منه يحاول يوضحها.
بعد محاولات، ظهر أول حرفين من الاسم فقط.
كا…
افتكرت فورًا اسم الموظف اللي المدير قاله…
كريم.
لكن الصورة ما كانتش دليل على أي حاجة.
كانت مجرد صورة ضمن فعالية كبيرة.
وأنا خارجة، نادت عليا موظفة كانت شغالة في الاستوديو من زمان.
قالت
حضرتك… هو الموضوع يخص البنت دي؟
أشارت على صورة رحمة.
قلت
أيوه.
قالت بتردد
أنا فاكرة اليوم ده… لأن بنتك كانت لطيفة جدًا.
سكتت شوية، ثم كملت
بس فاكرة كمان إن واحدة ست كانت معاها أغلب الوقت… مش الموظف.
استغربت.
قلت
ست مين؟
ردت
معرفش اسمها… لكنها كانت لابسة تيشيرت المنظمين، وكانت ماسكة إيد بنتك وهي بتنقلها بين الألعاب.
الكلام ده قلب كل توقعاتي.
لأن أخت جوزي، أمل، قالت إنها سابت رحمة مع المشرفين طول اليوم.
يبقى مين الست اللي كانت معاها؟
وليه أمل ما جابتش سيرتها خالص؟
خرجت من الاستوديو وأنا حاسة إن في جزء كبير من الحقيقة لسه مستخبي… وإن أول شخص لازم أقعد معاه دلوقتي هو أمل نفسها رجعت البيت، لكن عقلي كان عند أمل.
فضلت مستنية لحد ما رجعت من شغلها، واتصلت بيها.
قلت بهدوء
ممكن تيجي عندي شوية؟ محتاجة أتكلم معاكي.
جت بعد ساعة، وهي مبتسمة كعادتها.
أول ما قعدت، طلعت قدامها إسورة الرحلة، وإيصال الصور.
ابتسامتها اختفت.
قالت
إيه الحاجات
دي؟
بصيت في عينيها وقلت
عايزة أعرف حصل إيه بالظبط يوم الرحلة.
ردت بسرعة
ولا أي حاجة… الأطفال لعبوا واتبسطوا ورجعنا.
قلت
يبقى ليه رحمة بتقول إن في راجل كان بيديها هدايا؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
يمكن واحد من المنظمين… كان بيوزع ألعاب على كل الأطفال.
لكن كلامها ماكانش مقنع.
طلعت صورة الموظفين من الاستوديو.
وسألتها
تعرفي الشخص ده؟
بصت للصورة، واترددت ثواني قبل ما تقول
شافته هناك… لكن معرفوش.