منوعات

جوزي رجع بعد 3 سنين ومعاه ست

مضى كريم على ورق الطلاق في نفس الليلة. ما مضاش لأنه ندم… ولا لأنه حس بالذنب. مضى لما قلتله إن لو رفض، هارفع عليه قضية، وهبعت للشركة اللي بيشتغل فيها كل المستندات اللي تثبت إنه ساب أمه، وخان مراته، وصرف فلوس جوازنا على ندى. اديته نص ساعة يلم شنطه ويمشي. ولما قفلت باب البيت وراهم… ماحسيتش إني انتصرت. حسيت إني خلاص اتكسرت من التعب. تلات سنين وأنا عايشة بين ريحة المطهرات، وسهر المستشفيات، وبستلف فلوس عشان أكمل علاج الحاجة أمينة.

ما بقاش عندي طاقة حتى أكره. —ـ,ـ بعد شهر… نقلت سكنت في شقة صغيرة في مدينة نصر. كان فيها بلكونة كبيرة تدخلها شمس الصبح، وعملت ركن هادي حطيت فيه اللابتوب والتابلت، وبدأت أشتغل من جديد. أما بيت شبرا… احتفظت بيه. لكن مقدرتش أعيش بين الحيطان اللي شهدت آخر أيام الحاجة أمينة. بدل ما أغرق في وجعي… رسمته. بدأت أنشر رسومات على الإنترنت تحت عنوان: “ألف ليلة من الصبر.” رسمة لست ماسكة إيد سيدة كبيرة في العناية المركزة…

وفي الخلفية راجل بيضحك في مطعم فاخر. ورسمة تانية لجنازة ماشية تحت المطر… وشاشة موبايل مكتوب عليها: “الرقم الذي طلبته غير متاح حاليًا.” ما كتبتش أسماء. لكن آلاف الستات عرفوا نفسهم في الرسومات. كل واحدة كانت بتحكي حكايتها… واحدة كانت بترعى أبوها… واحدة ضحت بشغلها عشان جوزها… وواحدة باعت دهبها عشان تنقذ حماتها. بعدها بشهور… دار نشر كبيرة عرضت عليا أحول الرسومات لكتاب. وجالي شغل تصميم من شركات كتير… واتدعيت أحضر معارض وندوات. ولأول مرة من سنين…

الفلوس اللي بدخلها حسابي فضلت فيه… وما راحتش كلها على علاج. — افتكرت إن كريم خرج من حياتي للأبد. لكن بعد تلات شهور… وصلتلي دعوى قضائية. كان رافع قضية يطعن في وصية أمه. وادعى إن الحاجة أمينة ما كانتش في وعيها، وإني ضحكت عليها عشان تكتب البيت باسمي. وكمان قال قدام المحكمة إني كنت عايشة من مرتبه. سلمت الملف كله للمحامية سارة. راجعت كل الفواتير، وتحويلات المستشفيات، وإقرارات الضرائب الخاصة بشغلي، والفيديو الموثق للوصية. بصتلي وقالت بثقة:

— إحنا مش بس هنكسب القضية… إحنا كمان هنعرف فلوسه راحت فين. — لأن جوازنا كان بعقد شراكة. وأي فلوس اتكسبت أثناء الجواز… من حقي فيها. المحكمة طلبت كشوف حساباته. واللي ظهر… كان أسوأ من أي حاجة توقعتها. كان شاري عربية فارهة باسم ندى. ودهب. وسفريات. وشقة إيجار فخمة في دبي. وحوّل لها ملايين… في نفس الوقت اللي كان بيقولي فيه إنه مش معاه فلوس يدفع جلسة غسيل كلى لأمه. — في يوم الجلسة… دخل كريم بنفس البدلة اللي رجع بيها من السفر.

لكن كانت باينة عليها علامات البهدلة. وندى كانت قاعدة وراه… وشنطتها الغالية كلها خربوش. محاميهم حاول يقنع القاضي إن الحاجة أمينة كانت مش مدركة وهي بتمضي الوصية. لكن المحامية سارة شغلت الفيديو. ظهر فيه الحاجة أمينة… تعبانة… لكن بتتكلم بكل وعي. الموثق سألها أكتر من مرة: — حد ضغط عليك؟ ردت بثبات: — لأ… مرات ابني ادتني عمرها كله… وابني حرمني من نفسه. أنا عايزة البيت يكون ليها. بعدها شهد دكتور العناية المركزة إنها كانت بكامل قواها العقلية.

والممرضة أكدت صحة توقيعها. وبعدين عرضوا كل إيصالات العلاج… والعمليات… والأدوية… والإسعاف… وكل جنيه اندفع. محامي كريم حاول يقول: — دي كانت عايشة على فلوسه. ابتسمت سارة… وحطت قدام المحكمة ملفات شغلي. في تلات سنين… دخلت أكتر من أربعة ملايين جنيه من شغلي. وصرفت حوالي نصهم على علاج الحاجة أمينة. وبعدين بصت لكريم وقالت: — هات إيصال واحد بس يثبت إنك دفعت جنيه واحد على علاج والدتك. فضل ساكت… لأنه ماكانش عنده أي حاجة. —

الحكم صدر. المحكمة رفضت دعواه. وأكدت إن البيت ملكي بالكامل. وكمان حكمت إنه أخفى فلوس مشتركة وصرفها من غير حقي. وألزمته هو وندى يرجعولي مليونين وأربعمائة ألف جنيه، غير مصاريف القضية. — أول ما خرجنا من المحكمة… ندى اتخانقت مع كريم. كانت بتزعق: — وعدتني بفيلات، وعربيات، ومدارس خاصة للولد. دلوقتي هنعيش إزاي؟ رد عليها: — إنتِ السبب… إنتِ اللي خبّيتي مكالمات أمي. ضحكت وقالت: — بلاش تمثل… إنت كنت مبسوط إن محدش يزعجك. أنا سبتهم بيتخانقوا…

ومشيت. — أما بيت الحاجة أمينة… ما بعتوش. رممته كله. وحولت أوضتها لمكان مجاني لأي ست بترعى مريض، تيجي تشتغل منه، وتتعلم، وتلاقي دعم. وعلقت على الباب لافتة صغيرة مكتوب عليها: “بيت الحاجة أمينة… لكل ست ضحت في صمت.” — بعد أسبوعين… ندى باعت العربية. وأخدت اللي قدرت عليه من فلوس. وسابت ابنها مع كريم… واختفت. وسابتله ورقة صغيرة: “أنا مش هعيش مديونة طول عمري… خد بالك من ابنك.” — بعدها الشركة اللي كان شغال فيها فتحت تحقيق.

واكتشفوا إنه استغل سفريات الشغل في علاقته بندى، وزور مصاريف. فاتفصل. واتجمدت حساباته. — بعد سنة تقريبًا… وأنا خارجة من حفل توقيع أول كتاب ليا… لقيت كريم راكع تحت المطر. وشه اتغير… ودقنه طويلة… وهدومه كلها مبلولة. قال وهو بيبكي: — بالله عليكي… ابني يوسف في مستشفى أبو الريش… عنده عيب خلقي في القلب… ولازم يعمل عملية النهارده… وأنا معيش فلوس. وراني التقرير. بصيت فيه… وفهمت إن الحالة خطيرة فعلًا. قال: — سلفيني المبلغ… وهشتغل عندك العمر كله… بس أنقذي ابني.

بصيتله بهدوء وقلت: — ابنك ملوش ذنب… لكن إنت مسؤول عنه. وركبت العربية ومشيت. هو افتكر إني رفضت. لكن بعد ربع ساعة… كلمت المحامية سارة. اتأكدنا من التقرير. وحولت مليون ومئتي ألف جنيه لصندوق دعم المستشفى. واشترطت إن التبرع يكون باسمي مجهول. عملت كده… مش عشان كريم. لكن عشان يوسف… لأنه طفل ملوش ذنب في أخطاء الكبار. — العملية نجحت. وبعد شهرين… وأنا بخلص إجراءات التبرع في المستشفى… دخل كريم المكتب. الموظف اداله نسخة من الأوراق يمضيها.

أول ما شاف اسم المتبرع… وقع الملف من إيده. رفعت النضارة الشمس… وبصيتله. همس وهو بيعيط: — إنتِ… إنتِ اللي أنقذتي ابني؟ قلت بهدوء: — أنا أنقذت طفل… لكن مستحيل أنقذ حكايتنا. وسبته… ومشيت. — بعد سنة… أخد كتابي جائزة كبيرة. وأعلنت إن جزء من أرباحه هيروح لعلاج أطفال القلب، ودعم الستات اللي سابوا شغلهم عشان يرعوا حد من أهلهم. أما كريم… سمعت إنه لسه عايش في أوضة إيجار بسيطة، وبيشتغل من الفجر، وبيربي يوسف لوحده.

وقتها فهم… إن أصعب حاجة مش خسارة الفلوس. لكن خسارة الناس اللي كانوا بيحبوك بصدق. وساعتها افتكرت كلام الحاجة أمينة: “الأهل مش دايمًا اللي بيجمعهم الدم… الأهل هما اللي بيفضلوا جنبك وقت ما الكل يمشي.” أما أنا… سامحته… لكن عمري ما رجعتله. لأن التسامح معناه إنك تسيب الوجع وراك… مش إنك تفتح الباب لنفس الشخص يكسره من جديد.
الخاتمة في ناس بتفتكر إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة… بس الحقيقة إنها عمرها ما هتشتري أم ضاعت وهي مستنية ابنها، ولا قلب اتكسر من الخذلان، ولا سنين راحت في التضحية.

كريم خسر بيته، وشغله، والراحة اللي كان عايش فيها… لكن أكبر خسارة كانت إنه عرف قيمة الناس اللي حبته بصدق بعد ما فقدهم. أما أنا… ما رجعتلوش. لأن في فرق كبير بين إنك تسامح… وإنك تسمح للي كسرك يكسر قلبك مرة تانية. أنقذت طفل بريء، لأن الأطفال ملهمش ذنب في أخطاء الكبار. لكن اخترت أنقذ نفسي كمان… وأبدأ حياة جديدة مبنية على الكرامة، واحترام النفس، والسلام. وفي الآخر اتأكدت من حاجة واحدة… اللي يسيب أهله وقت الشدة، الحياة هتعلمه بنفس الدرس… لكن بعد فوات الأوان.

تمت. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى