شفت الراجل اللي قاعد في الكنبة الخلفية، كان لابس بدلة سودا أنيقة جدا، ووجهه هادي بشكل غريب، ما كانش فيه أي علامة استغراب أو خوف، لكن عينيه لما شافت الكدمة اللي على خدي، وبعدين بص للكشافات اللي كانت بتقرب من ورايا، لاحظت إن ملامحه اتغيرت شوية، وقال للسواق بصوت هادي لكنه قوي افتح لها الباب.
فتح السواق الباب، وركبت بسرعة وقفلت ورايا، وفضلت أترعش من البرد والخوف، وكل جسمي كان بيتراقص، قلع الراجل الجاكيت الثقيل اللي كان عليه وحطه على كتفي، وريحة عطره الفاخر غطت على ريحة الطين والدم اللي كانت فيا، وقال لي بصوت هادي ومحايد اهدئي، ما حدش هيقدر يصل لكي هنا، مين اللي بيجري وراكي؟ وايه اللي حصل معاكي؟
حاولت أتكلم لكن الكلمات كانت بتتقطع، قلت له بعد محاولة مرات أبويا… اسمها منى السيوفي، كانت عايزة تسلمني لواحد كبير في السن عشان يدفع لها فلوس وينقذ شركتها اللي هتقع، وحبستني عنده، ونجحت أهرب من الشباك، وهم دلوقتي بيدوروا عليا في كل مكان.
لما سمع اسمها، ملامح وجهه اتشدت فجأة، وعقد حاجبيه، وسألني بتركيز منى السيوفي؟ متأكدة إن ده اسمها بالكامل؟
هزيت راسي وأنا لسه خايفة أيوه، منى السيوفي، زوجة أبويا الراحل كمال الدين عبدالعزيز، وشركتها اسمها مؤسسة السيوفي للاستيراد والتصدير.
كان عايز يقول حاجة، لكن ظهرت عربية دفع رباعي سودا من الطريق الترابي اللي جيت منه، وكانت بتقرب بسرعة جنونية، وعرفت إن دول منى ورجالها، همست بصوت مسموع بالكاد دول هم، دول اللي كانوا ورايا.
مال الراجل قليلا على السواق وقال له بصوت حازم ادخل يمين في الطريق الضيق اللي بين الأشجار، ومهما حصل ما تخلهمش يلحقونا، واشغل كل الطرق الممكنة.
وبعدين رجع لي وقال بصوت هادي لكنه مليان جدية وطي راسك تحت المقعد، واغطي نفسك بالجاكيت، ولا ترفعيها مهما سمعتي أصوات، حتى لو وقفنا، اتفقنا؟
نزلت بسرعة وغطيت نفسي، وكنت ماسكة الجاكيت بقوة، وقلبي كان بيخفق بسرعة كبيرة جدا، لدرجة كنت أسمع دقاته في وشي، وفي تلك اللحظة، لمحت شاشة الموبايل اللي كان جنبه على المقعد، كانت منورة، والاسم اللي مكتوب عليها خلّى الدم يتجمد في عروقي، وكل شعور بالأمان اللي حسيته دقيقة واحدة، اختفى في لحظة.
الاسم كان منى السيوفي مكالمة جارية
يعني هو كان متصل بيها في نفس اللحظة اللي كان بيتكلم معايا وبيقول لي إنه هيساعدني! يعني ده كلو خداع؟ يعني أنا هربت من فخ منى عشان أقع في فخ أكتر قسوة منه؟
رفعت راسي ببطء وبصيت له، ولاحظ هو نظراتي، وبص للموبايل، وبكل هدوء قلبه على وشه، وكأن شيئا لم يكن، وكأنه ما كانش خايف أكتشف الحقيقة، صرخت فيه بصوت عالي مليان صدمة وغضب إنت مين؟ وإنت كنت متصل بيها ليه؟ يعني أنا وقعت في أيديكم كلهم؟
العربية كانت بتتحرك بسرعة، وسمعت صوت العربيات اللي ورانا بتقرب، لكنه ما كانش قلقان أبدا، بص لي بعينيه الثابتتين، وقال بصوت واثق جدا أنا معتز الكيلاني. ..
وكل اللي سمعتيه أو شفتيه لسه مش الحقيقة الكاملة، وقبل ما تقرري تكرهيني أو تثقي فيا، لازم تعرفي ليه منى السيوفي اتصلت بي أصلا، وايه اللي بيني وبينها، وايه سر الصفقة دي كلها.
الجزء الثاني الأسرار القديمة والحقائق المخفية
سكتت للحظة، ما عرفتش أصدق ولا أكذب، عينيه كانت مليانة حاجة ما فهمتها، كان فيها صدق لكن معاه حذر، قلت له بصوت مهزوز أنا ما أصدقش حد دلوقتي، ولا أصدق كلامك ولا كلامها، كل اللي أعرفه إنها كانت عايزة تبيعني، وإنك كنت بتكلمها في نفس الوقت اللي أنا طلبت منك المساعدة.
قال معتز وهو بينظر للطريق من الشباك أنا عارف إن الموقف مش في صالحي أبدا، وإنك عندك كل الحق تكوني خايفة ومش مصدقة، بس اسمعيني للآخر، وإن شاء الله هتقدري تحكمي بنفسك بعد كده.
سكتت وقلبي لسه بيخفق بسرعة، وبدأ يحكي لي أنا معتز الكيلاني، والدي كان شريك لابوكي كمال عبدالعزيز من عشرين سنة، كانوا أصدقاء عمر وشركاء في نفس الشركة، لحد ما حصل خلاف غريب قبل ما يمـ,ـوت ابوكي بسنتين، وابوكي باع كل حصته وخرج من الشركة، وقال لي في ذلك الوقت إنه خايف على حياته وحياتك، وطلب مني إن لو حصل له أي حاجة، أحميك مهما كان الثمن.
توقف شوية وبلع ريقه، وكأن الذكريات بتؤلمه بعد فترة قصيرة، مـ,ـات ابوكي في حـ,ـادثة سيارة، والشركة كلها صارت لمنى، وكل أملاك ابوكي وكل ما كان يملك صارت باسمها، وادعت إن ابوكي سلمها كل حاجة قبل ما يمـ,ـوت، وإنها كانت الوحيدة اللي يعتمد عليها، لكني كنت شايف الحقيقة، كنت عارف إن ابوكي ما كانش يثق فيها أبدا، وإن الحـ,ـادثة دي ما كانتش حـ,ـادثة عادية.
فتحت عيني بصدمة، قلت له يعني إيه؟ تعتقد إنها قتـ,ـلته؟
هز راسه
ببطء أنا ما عنديش دليل، بس كل الظروف كانت بتشير لكده، وكل ما كنت أحاول أبحث أو أسأل، كنت بلاقي كل الأدلة اختفت، وكل الناس بتقول لي الحمد لله على السلامة، وإن الحـ,ـادثة كانت قدر ومكتوب، ومرت السنين، ونسيتني منى تماما، وبدأت أسمع أخبار إن شركة السيوفي بتكبر بسرعة غريبة، وإنها بتدخل في صفقات مش قانونية، وإن ديونها بتزيد بسرعة خيالية، لحد ما وصلت لي رسالة منها الصبح بتقول لي إنها عايزة تقابلني في مكان سري، وعندها عرض مهم لي.
سألته وأنا مذهولة وعرض إيه ده؟
قال معتز قالت لي إنها عايزة تبيع لي حصتها في الشركة، وكل ما تملك من أملاك، بس بشرط واحد إنك تكوني معايا، وتكوني تحت مسؤوليتي، وقالت لي إنها مش عايزة تضيع حقك اللي ابوكي سابك إياه، لكني عرفت من مصادري الخاصة إنها كانت بتكلم رجال أعمال كتير غيري، وإن كل واحد منهم كان عنده نفس الشرط، وإن الحاج فؤاد الشاذلي كان آخر واحد كان بيتفاوض معاه، وكان عايزك بطريقة ما، وهو اللي دفع لها عربون الصفقة، وإنك هتكوني ملك له مقابل ما يغطي كل ديونها.
دموعي نزلت تاني، قلت له يعني كل السنين دي كانت بتدعي إنها بتصرف عليا وتتعب عشان خاطري، وكل ده كان مجرد انتظار للوقت المناسب لتبيعني؟ وابوكي كان عارف إنها هتعمل فيا كده؟
حط معتز يده على كتفي ببطء وكأنه يحاول يطمني ابوكي كان عارف إنها طامعة في كل حاجة، ولهذا كان عايز يأخذك منها، لكنها كانت أسرع منه، وكل ما كان يحاول يخليك تروحي تعيشي مع أي قريب، كانت بتمنعه بكل الطرق، وبتقول إنك بنتها وهي اللي لازم تربيك، وكل اللي عملته النهاردة ما كانش عشان تنقذ الشركة بس، كان عشان تهرب من العقاب، لأن الدائنين هيدخلوا عليها بكرة، وهيسجنوها، أو ياخدوا كل ما تملك، فما لقيتش حل
غيرك تدفعك ثمن لكل أخطائها.
في تلك اللحظة، سمعنا صوت انفجار صغير من ورانا، واهتزت العربية قليلا، وقال السواق بصوت متوتر يا باشا، دول أطلقوا نار علينا، والطريق ده مسدود من الأمام بأشجار مقطوعة.
بص معتز للسواق بكل هدوء وقال لا تقلق، اعرف طريق تاني، وهم ما يقدروش يلحقونا، ومش هيتجرأوا يفعلوا حاجة كتير، لأنهم خايفين من اللي ورايا، ومن الحقيقة اللي هتظهر.
وبعدين بص لي وقال أنا كنت عارف إنها هتحاول تبيعك، ولهذا لما لقيتك واقفة في الطريق عرفت إنك أنتِ، وإنك هربتي منها، وما كنتش عايزك تروحي ليها، وكنت بتكلمها في التليفون عشان أعرف وينهم ومخططهم إيه، وكنت عايز أعرف لسه في ناس معاهم ولا لأ، وأنا ما كنتش هسلمك ليها أبدا، حتى لو كنت دفعت كل ما أملك.
كنت أسمع كلامه وقلبي بيحس بصدقه، لكن الجرح كان عميق جدا، قلت له لو كنت عايز تحميني من زمان، ليه ما جيتش وتاخدني من عندها؟ ليه سبتني أعيش معاها كل السنين دي وأنا أتألم؟
تنهد معتز وقال لأني ما كانش عندي دليل على نواياها، ولو جيت واخدتك بالقوة، كانت قالت إنني خطفتك، وكنت هتعرضك لخطر أكبر، وكنت بانتظر الوقت المناسب اللي أقدر أثبت فيه كل حاجة، وارجعلك حقك وحق ابوكي، والوقت ده جاء النهاردة، لأنها هي اللي كشفت نفسها بنفسها.
بعد نصف ساعة، وقفت العربية أمام فيلا كبيرة في منطقة نائية بعيدة عن ضوضاء القاهرة، محاطة بأشجار كثيفة وحراس، ونزل معتز أول وساعدني أنزل، ودخلني الفيلا، وطلب من الخادمة تعطيني ملابس دافئة وماء دافئ، وبعد ما غيرت ملابسي وغسلت وجهي، جلست معاه في صالة الجلوس الكبيرة، وبدأت أفهم كل حاجة من أولها لآخرها.
الجزء الثالث الحقائق والعدالة
حكالي معتز إن منى كانت بدأت تعمل صفقات غير قانونية من أول سنة لما مات ابويا، كانت بتستورد بضائع ممنوعة، وتتعامل مع ناس في السوق السوداء، وكل ما كانت تكسب فلوس كانت تنفقها على مظاهر الفخامة والمناصب، وما كانتش تدفع ضرائب ولا تحافظ على الشركة، لحد ما تراكمت عليها الديون لملايين الجنيهات، والبنوك هددتها بالحجز على كل أملاكها، والدائنين هددوها بالقـ,ـتل لو ما سددتش فلوسهم.
عرفت أيضا إن الحاج فؤاد الشاذلي ما كانش مجرد رجل أعمال كبير، كان هو اللي ورا كل الديون دي، كان بيدير شبكة استغلال للفتيات الصغيرات، وكل ما كان يطلب منى فتاة، كانت تعطيه مقابل مبلغ كبير يساعدها في تغطية ديونها، وكنت أنا آخر فتاة كانت عايزة تسلمها له، لأنها كانت عارفة إن ابويا كان بيحبني جدا، وإن ما كانش يوافق على أي حاجة تضرني، ولهذا كانت بتخفي عني كل حاجة، وبتعاملني بقسوة عشان أكون ضعيفة وأقبل بالواقع.