منوعات

«أعلنوا وقت الوفـ,ـاة…» لكن طفلًا مشـ,ـرّدًا اقتـ,ـحم غرفة الطوارئ، وبعد أقل من دقيقة حدث ما لم يصدقه أحد!

الجزء الأول ## استسلم الأطباء لليأس… ففعل ابن الشوارع ما يشبه المعجزة تراجع الأطباء خطوة إلى الخلف، وقطع صمتَ الأجهزة المطبقَ صوتُ التصفير المنخفض الذي يعلن نهاية كل شيء. خيم على المكان سكونٌ ثقيل وموحش، ذلك النوع من الصمت الجاثم الذي لا يحل في مكانٍ إلا حين يتيقن الجميع—بلا أدنى شك—أنه لم يتبقَّ شيءٌ يُفعل، وأن الروح قد غادرت بلا رجعة.

كان رجلٌ يرتدي بذلة أنيقة يقف مستندًا بظهره إلى الجدار الحجري، واضعًا كفيه المرتجفتين على فمه ليعصر صرخة ذهول لم تخرج. أومأ كبير الأطباء بنظرة ذات مغزى نحو الباب وهو يخفض رأسه، بينما شخَصت عينا إحدى الممرضات نحو الأرض وهي تجذب السدادة المطرية، ممتنعة عن النظر في عيني الأب المكلوم. توقف الرضيع عن التنفس منذ دقائق طويلة، وذهبت كل الصدمات الكهربائية وتدليك الصدر وسحب السوائل سُدى. وفي تلك اللحظة الحرجة بالذات، بينما كان يتهيأ الطبيب لإعلان وقت الوفاة، دفع البابَ صبيٌ يرتدي قميصًا رماديًا ممزقًا عند الكتف واندفع إلى الداخل.

لم يتنبه له أحد في البداية؛ كان صبيًا في الحادية عشرة من عمره تقريبًا، نحيلًا وضئيل البنية بالنسبة لسنه، يرتدي حذاءً مغطى بطبقات من الطين الجاف، وتحيطه هالة من ذلك الهدوء الخافت الذي لا يكتسبه إلا من اعتاد أن يمر بين الناس دون أن يراه أحد. تبع الصبي سيارة الإسعاف ركضًا على قدميه الحافيتين تقريبًا لمسافة ثلاث حارات سكنية، مستدلًا بصـ,ـرخات والد الطفل الذي كان يركض كالمجنون في الشارع. اقتحم الغرفة وتجاوز الجميع نحو حوض الغسيل بسرعة قبل أن يملك أحدٌ ردة فعل لإيقافه.

كان اسم الصبي **كريم**، صبيٌ بلا عنوان، يعيش بلا مأوى ثابت منذ ثمانية أشهر متواصلة؛ يتنقل بين دار رعاية اجتماعية تُغلق أبوابها في السادسة مساءً، ومساحة جافة ومظلمة أسفل جسر سمنتي عتيق. لم يكن يحمل في حقيبة ظهره التهـ,ـالكة سوى ثلاثة أشياء: جوارب بديلة، وصورة باهتة لوالدته الراحلة، وكتاب طب مبسط عن جسم الإنسان. كتابٌ قرأه عشرات المرات، وفتحه وأغلقه حتى انقضت أطرافه كعقده.

بدأ شغف **كريم** بالطب والجسد البشري منذ أن كان في السادسة من عمره، في ذلك اليوم العصيب عندما توقفت شقيقته الصغرى عن التنفس فجأة إثر صدمة حساسية حادة. حينها، اقـ,ـتحم مسعفٌ البيت واستطاع إعادة الحياة إليها بفضل ثبات يديه وحركاته الدقيقة والمحسوبة. منذ ذلك اليوم، حُفر في عقله هدفٌ واحد: أن يفهم هذا الجسد البشري المعقد، كيف يعمل، وكيف يمكن إنقاذ هذه الآلة البديعة عندما تعطل. ولأنه لا يملك المال ولا المدرسة، كان يلتهم كل ما يقع تحت يديه: كتيبات التوعية الملقاة في المستشفيات، وكتبًا دراسية قديمة يُلقيها أصحابها في القمامة.

بدأ صباح ذلك اليوم وهو يجلس على حافة رصيف قرب إحدى الحدائق، يقتسم نصف قطعة بسكويت مع حمامة. وفجأة، لفت نظره رجلٌ يرتدي بذلة فاخرة يركض بذهول وفزع يخلع القلوب، يضم إلى صدره بين ذراعيه المرتجفتين لفافة صغيرة. في تلك اللحظة، تحرك في داخل **كريم** شعورٌ مفاجئ بالخطر تجاوز أي خوف؛ تملكه دافع الطوارئ النقي، فنهض على الفور وركض خلفه. وبحلول الوقت الذي وصل فيه **كريم** لمدخل المستشفى، كان الأب قد دُفع بالفعل عبر أبواب الطوارئ الفولاذية.

انسلل **كريم** بخفة من خلف إحدى العائلات المذعورة، وتتبع أصوات الصراخ والاضطراب المتصاعدة عبر الممر. واقتحم الغرفة في اللحظة الحاسمة نفسها التي كان يرفع فيها كبير الأطباء يده ليعلن الوفاة رسميًا. كان الرضيع، ذو الثمانية أشهر، قد وُجد فاقدًا للوعي في المنزل بعد أن استنشق سوائل أثناء وجوده في مقعده الهزاز. وبذل الفريق الطبي كل ما بوسعه لأربع دقائق متواصلة بمجرد وصوله، ولكن دون أدنى نبض أو استجابة.

أما الأب، صاحب البذلة الفاخرة، فكان **سليمان الفارس**، مؤسس إحدى أكبر شركات الاستثمار الخاصة في البلاد؛ رجلٌ يقود الملايين، ولم يواجه في حياته قط مشكلة أو عقبة لم يستطع ماله ونفوذه حلها… حتى تلك اللحظة التي وقف فيها عاجزًا تمامًا أمام المـ,ـوت. لكن **كريم**، ومن على بعد خطوات عند الباب، أدرك شيئًا لم ينتبه له الأطباء المجهدون—حركة خفيفة، ضئيلة ويكاد لا يراها أحد، في أطراف أصابع الرضيع. لم يتوقف ليطلب الإذن، ولم يضيع ثانية واحدة في الشرح.

عبر الغرفة كالسهم، وحمل الرضيع من بين أيدي الأطباء الذهول، ثم وضعه مستلقيًا على ظهره تحت تدفق خفيف ومندفع من الماء البارد عند الحوض. أسند رأسه ورقبته ببراعة ودقة متناهية، مائلاً بجسده الصغير بدرجة معينة لتساعد الجاذبية الأرضية على فتح مجرى الهواء المسدود. — «ماذا تفعل أيها المجنون؟! أخرجوا هذا الصبي فورًا!» سخط كبير الأطباء بصوت كالرعد. — «أرجوكم… أعطوني دقيقة واحدة فقط! دقيقة واحدة!» كان في نبرة صوته ونظرة عينيه شيءٌ غريب، ثباتٌ عجيب أجبر بأكملها على التوقف والتسمر؛ ثباتٌ ينبع من شخص قرأ هذا الفصل بالتحديد عشرات المرات تحت ضوء أعمدة الشوارع.

مرت عشر ثوانٍ… ثم عشرون… ثم أربعون ثانية من الصمت الخانق الذي أنفاس الجميع. وفجأة… سعل الرضيع بقوة، وتدفق الماء والسائل من فمه، ثم انطلق في بكاء حاد شق صمت الغرفة! انفجرت الغرفة بالحركة دفعة واحدة؛ اندفع الأطباء بذهول، وعادت الأجهزة للتصفيق والعمل، ونشط النبض على الشاشات من جديد. أما **سليمان الفارس**، فقد انهار تمامًا، وانزلق بظهره على الجدار حتى جلس على الأرضية الباردة، واضعًا وجهه بين كفيه والدموع تتفجر من عينيه من شدة الصدمة والفرح.

وضع **كريم** الرضيع برفق على طاولة الفحص، ثم تراجع بخطوات هادئة إلى الخلف، وأمسك بحقيبة ظهره المتهالكة بجوار الباب. كان على وشك الخروج والضياع مجددًا في أزقة المدينة قبل أن يرفع **سليمان** رأسه بصعوبة ويصيح بصوت خنقته العبرات: — «انتظر… أرجوك!» قبل عامين كاملين من ذلك الصباح الفاصل، كانت متطوعة في عيادة مجانية تُدعى **فاطمة** قد تركت صندوقًا من الكتب المتبرع بها خارج المبنى لتتخلص منه. عثر **كريم** على ذلك الصندوق في الساعة السادسة والنصف صباحًا وسط البرد، وأخذ منه كتابًا واحدًا فقط يتعلق بأساسيات جسم الإنسان.

وكان هناك مسعف متقاعد يُدعى **عم حسني** يُقيم جلسات تدريبية تطوعية ومبسطة للإسعافات الأولية في دار الرعاية مرة كل شهر. أرى المجموعة الصغيرة كيف يعمل مجرى الهواء لدى الإنسان، وشرح لهم بالتفصيل الوضعية الذهبية التي تتغلب على انسداد مجرى التنفس لدى الرضع كما كانت هناك مشرفات في الدار تُدعى **خديجة** تتيح لـ **كريم** البقاء أربعين دقيقة إضافية بعد موعد الإغلاق في الصباحات القارسة. لم تسجل ذلك قط في دفتر الحضور حتى لا تتعرض للمساءلة، بل كانت تكتفي بعدم إغلاق الباب الرئيسي، وتتركه يقرأ في الدفء حتى ينتهي.

وجد **سليمان الفارس** الصبي **كريم** واقفًا في الممر الخارجي، يترقب بملامح يكـ,ـسوها الوجوم وقلة الحيلة. اقترب منه الرجل الثري، وجثا على ركبتيه أمامه على أرضية المستشفى، وسأله عن المكان الذي يعيش فيه وأين أهله، فأخبره الصبي بالحقيقة كاملة دون تزييف أو استجداء. نظر **سليمان** في عيني الصبي وقال بنبرة صادقة: — «ماذا تريد أن تفعل بحياتك؟ وما الذي تحتاجه بالضبط لتحقيق ذلك؟»

لم يكن الاتفاق الذي تلا ذلك اليوم مجرد عمل خيري أو رد جميل مؤقت؛ بل كان استثمارًا استراتيجيًا في موهبة فذة وعقل ناطق بالشغف. فُتحت لـ **كريم** أبواب أفضل المدارس في غضون أسابيع، وعاش برفقة أسرة بديلة دافئة ومُحبة وفرها له **سليمان**. حصل على مدرس خاص مرتين في الأسبوع لتعويض ما فـ,ـاته، وبطاقة مفتوحة للمكتبة العامة، ومعطف شتوي دافئ. وبعد أربعة أعوام فقط، أصبح **كريم** المتفوق الأول في مادة العلوم على مستوى الدولة، وشارك وهو في الرابعة عشرة من عمره كأصغر محاضر في ندوة طبية إقليمية.

أما ابن **سليمان**، البالغ من العمر الآن خمس سنوات والذي صار يتنفس ويعيش بفضله، فقد أصبح ينادي **كريم** بلقب دافئ ومحبب معناه *”الذي بقي ولم يرحل”*. وفي الليلة التي سبقت أول يوم لـ **كريم** في المرحلة الثانوية، جلس على طاولة المطبخ وأمسك بقلم ثلاث ورقات، وكتب ثلاث رسائل خاصة: كتب إلى **فاطمة** متطوعة العيادة، وإلى **عم حسني** المسعف المتقاعد، وإلى **خديجة** مشرفة دار الرعاية. أخبرهم جميعًا بالتفصيل عما أدت إليه أفعالهم الصغيرة، وكيف أن قراراتهم البسيطة التي اتخذوها في صمت قبل سنوات كانت هي السبب المباشر في إنقاذ حياة طفل وصنع معجزة داخل تلك الغرفة بالمستشفى.

ردت **فاطمة** برسالة بعد أيام قليلة، موضحة أنها بكت لعشرين دقيقة متواصلة بعد قراءة كلماته، وشعرت أن حياتها لم تذهب سدى. أما **عم حسني** فقد كتب رده بخط يده المرتعش على ورقة صفراء قديمة، موضحًا أنها المرة الأولى منذ أحد عشر عامًا التي يعلم فيها ماذا حدث بعد إحدى جلساته التدريبية، وأن كلماته ردت له روحه. ولم تكتب **خديجة** ردًا ورقيًا، لكن مدير الدار اتصل بـ **كريم** ليخبره أنها قامت بوضع الرسالة داخل إطار خبيئة وعلقتها على الجدار بجوار الباب الرئيسي تمامًا… الباب نفسه الذي لا تزال تتركه مفتوحًا دون إغلاق في صباحات الشتاء الباردة، علّ كريمًا آخر يدخل منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى