منوعات

فقدت واحد من توأمي وأنا بولد… ولما الممرضة حطت ابني اللي عاش في حضني، همستلي وقالت: “قبل ما تثقي في جوزك…

الجزء الأول زلزال في غرفة الولادة
كانت السماء تتوشح بلون رمادي داكن يشي بهطول مطر وشيك في تلك الليلة الخريفية التي غيّرت مجرى حياتي إلى الأبد. كنت في الأسبوع الثامن والثلاثين من حملي الأول، أحمل في أحشائي طفلين توأم، كنا قد اخترنا لهما كل شيء؛ ملابسهما الصغيرة، ألوان غرفتهما، وحتى أسمائهما التي نقشناهما على قلادات خشبية معلقة فوق سريريهما المزدوج سيف وآدم. كانت كل الفحوصات الطبية تؤكد أن كل شيء يسير على ما يرام، وأنني وسيلة نجاة لهذين الروحين الصغيرتين. كان زوجي، طارق، يبدو الأب المثالي في نظر الجميع؛

الرجل الذي يركض في منتصف الليل ليلبي أبسط رغباتي، الرجل الذي يضع يده على بطني كل ليلة ليهمس للطفلين بأحاديث ودية عن المستقبل، وبأنه سيكون السند والحماية لهما ولأمّهما.
وفجأة، وفي لحظة اقتُطعت من كابوس مرعب، وأنا أقف في منتصف الصالة أعد بعض الأغراض الأخيرة لحقيبة المستشفى، حسيت پألم رهيب شق بطني، وكأن سيفاً محمى پالنار قُسم به جسدي إلى نصفين. لم أستطع حتى الصړاخ، اختنق الصوت في حلقي، وجفت ريقي في ثوانٍ معدودة. انثنت ركبتي، ووقعت على الأرض بلا قدرة على المقاومة. صړخت بكل ما أوتيت من قوة بآخر رمق طارق!..

بعدها بدقائق، كنت أسمع أصوات سرينة الإسعاف تتصاعد في أذني كأنها تأتي من بئر عميقة، وأضواء حمراء وزرقاء تتراقص على جدران الصالة قبل أن أغرق في ظلام دامس لا قاع له.
أول حاجة فاكراها بعد كده إني فتحت عيني في أوضة المستشفى بعد 3 أيام كاملة. غيبوبة ناتجة عن ڼزيف حاد وانخفاض حاد في ضغط الډم، هكذا علمائي لاحقاً. كان الإحساس بالألم يتسلل إلى كل إنش في جسدي؛ حتى النفس كان طالع بالعافية، ورئتي تشعران وكأنهما ممتلئتان بالزجاج المكسور. تسللت عيناي البطيلتان في أرجاء الغرفة المعتمة إلا من إضاءة خاڤتة صادرة من جهاز متابعة النبض.

كان جوزي قاعد جنبي، ماسك إيدي بكلتا يديه، ووجهه شاحب ينطق بالإرهاق والذبول. أول ما فتح عيني عليّا، وانتبه لإفاقتي، اڼفجر في العياط بأسلوب لم أره عليه من قبل.
قال بصوت مكسور يرتجف أنا آسف يا حبيبتي… أنا آسف جداً… الأطباء ماقدروش ينقذوا واحد من الولدين.
بصيت له وأنا مش مستوعبة، بلعت ريقي بصعوبة وكأن كلماته حجارة ثقيلة تسقط على صدري إيه…؟ أنت بتقول إيه يا طارق؟ سيف ولا آدم؟ مين فيهم؟
شد على إيدي أكتر، واقترب مني ليقبل رأسي والدموع تتساقط من عينيه على وجنتي، وقال عملوا كل اللي يقدروا عليه…

الڼزيف كان شديد جداً والمشيمة انفصلت بسرعة.. لازم نتمسك بابننا اللي ربنا كتبه يعيش.. لازم نكون أقوياء علشان سيف.
وبعدين حضڼي وفضل يعيط بكل حړقة، وأنا عيطت معاه.. صړخت في صدره بحړقة الأم التي فقدت نصف قلبها قبل أن تراه، واختنق صوتي بدموع الصدمة. افتكرت إننا بنحزن سوا، افتكرت إن هذا الرجل يشاطرني نفس الألم، ونفس الكسرة، ونفس الفقد الذي لا يُعوض.
الجزء الثاني أقنعة من حرير
اليومين اللي بعدهم، ماكانش طارق بيسيب المستشفى لحظة واحدة. كان ينام على المقعد الخشبي القاسې بجوار سريري، يمسك بيدي كلما فزعت من نومي جراء الكوابيس.

كان يجيبلي ورد أبيض، ويساعدني أقعد بصبر ولطف، ويمسح بيده على شعري ويطمئنني أن الحياة ستستمر، وأن طفلنا الناجي بحاجة إلى أم قوية. كل الممرضات والأطباء الذين يدخلون الغرفة كانوا ينظرون إليه بإعجاب شديد، ويقولون بصوت خاڤت يا لها من محظوظة، إنه زوج وأب رائع، لم يتركها ثانية واحدة ولم يكف عن البكاء والسؤال عنها وعن طفلها.
وكنت مصدقة كل كلمة.. كنت أرى فيه الملاذ الوحيد، والشخص الذي يربطني بالحياة بعد أن فقدت طفلي الثاني، آدم.

كان حزنه يبدو شامخاً وإنسانيا، يمسح دموعي ويمسك بيدي لنقعد معاً نخطط كيف سنربّي سيف وكيف سنحكي له يوماً ما عن أخيه التوأم الذي ذهب إلى السماء.
وفي صباح اليوم الثالث لإفاقتي، وهو اليوم الذي سمحوا فيه أخيراً إن ابني يبات معايا في الأوضة بعد أن اطمأنوا على صحته في حضّانة الأطفال، كانت الشمس تتسلل بخجل عبر الستائر الشبه مغلقة. دخلت ممرضة جديدة لم أرد وجهها من قبل، كانت ملابسها الطبية الزرقاء مرتبة، ولكن عينيها كانتا تحملان اضطراباً غريباً ونظرات حذرة تتنقل بيني وبين طارق الذي كان يجلس عند طرف السرير. كانت تدفع أمامها السرير الصغير المخصص للرضع.

ابتسمت لجوزي ابتسامة تكاد تكون متكلفة وقالت مبروك.. أستاذ طارق، البيبي جاهز عشان يفضل مع مامتكم.
قام طارق فوراً، ونظر إلى الطفل بحنان ظاهر، ثم قال لي سأتركك مع الممرضة لعدة دقائق لتساعدك على إرضاعه، سأنزل لأحضر بعض العصائر والمستلزمات من الكافتيريا. قبلني على جبيني بدافئ العاطفة وخرج.
وبينما كانت الممرضة بتظبط بطانية البيبي وتتأكد من المحاليل المعلقة بيدي، اقتربت مني بشكل غير طبيعي. همست من غير ما تبصلي وهي تتظاهر بضبط الوسادة خلف ظهري
ما تظهريش أي رد فعل…
ابتسمي بس وتظاهري إنك بتلعبي مع ابنك.
أنا بعتّلك حاجة على الموبايل.. رقم غريب.

قلبي وقع في بطني، وتجمدت الډماء في عروقي. بصيت لها بذهول، لكنها حطت ابني في حضڼي، وقربت مني أكتر حتى شعرت بأنفاسها المتسارعة وهمست في أذني بصوت كالفرير
شوفيها بعد ما جوزك يخرج.. أو لما تتأكدي إن ما حدش شايفك.
وبصوت أوطى، صوت ينبض بړعب حقيقي وقشعريرة تسري في العظام، قالت
إنتِ لسه ما تعرفيش هو عمل إيه بطفلك التاني..
الجزء الثالث الفيديو الصامت
خرجت الممرضة بسرعة وبخطوات مرتبكة بعد أن ألقت عليّ نظرة أخيرة محملة بالتحذير. بقيت وحدي في الغرفة، وأنا أحمل بين ذراعي طفلي الصغير الذي كان يتنفس بهدوء.

كان قلبي يدق كالطبول داخل صدري، وأفكار سوداء تتصاعد في عقلي كالدخان الكثيف. ماذا تقصد؟ ما الذي يعنيه ما تعرفيش هو عمل إيه بطفلك التاني؟ هل ماټ الطفل بسبب إهمال منه؟ هل كان يعلم بالڼزيف ولم يسعفني فوراً؟
بعد حوالي نص ساعة، رجع طارق الغرفة وبيده كوب من القهوة وبعض العصائر. ابتسم لي بوالدية مفرطة، باسني على جبيني وعلى رأس الصغير، وقال بصوت حنون حبيبتي، أنا نازل أجيب القهوة الثانية من المحل اللي بره المستشفى لأن القهوة دي مش كويسة، ومش متأخر.. مش هغيب أكتر من عشر دقائق.
أومأت له برأسي وحاولت أن أصنع ابتسامة زائفة على شفتي المرتجفتين.

أول ما الباب اتقفل وصوت خطواته ابتعدت في الممر، مسكت موبايلي بسرعة وأيدي بترتعش بشكل هستيري. فتحت الرسائل.. بالفعل، كانت هناك رسالة من رقم غير مسجل تحتوي على ملف فيديو قصير.
مدته 27 ثانية بس.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى